المقريزي

152

إمتاع الأسماع

ولنا في جواز النسخ أنه إما بيان أنها مدة الحكم أو رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي ، وكلاهما لا يلزم منه محال فوجب القول بجوازه ، ولأن الشرع للأديان كالطبيب للأبدان ، فجاز أن ينهي اليوم عن ما أمر به أمس ، كما يصف الطبيب اليوم للمريض ما نهاه عنه أمس ، وذلك بحسب المصالح أو إرادة المكلف - وهو الشارع - ولأنه قد وقع في التوراة في عدة صور ، فالقول بجوازه لازم . هذا ، وقد أكذبهم الله تعالى في نص التوراة ، كما أكذبهم القرآن يقوله : [ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى على الله الكذب بعد ذلك فأولئك هم الظالمون * قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ] ( 1 ) . فتضمنت هذه الآيات بيان كذبهم في إبطال النسخ ، فإنه سبحانه أخبر أن الطعام كله كان حلالا قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه ، ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة أبيهم إسرائيل وملته ، وأن الذي كان حلالا لهم إنما هو بإحلال الله لهم على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة ، ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم ، وهي التي كانت حلالا لبني إسرائيل ، وهذا محض النسخ .

--> ( 1 ) آل عمران : 93 - 95 .